ذكرت بعض الصحف عن فئة من النواب ستتقدم بمشاريع إصلاحية غايتها تبديل قانون الانتخاب وبعض النصوص الدستورية لجعلها أكثر ملائمة مع الوضع الاستقلالي الحاضر.

لا يسعنا إلا ابداء الشكر لحضرات القائمين بهذه الحركة وخصوصا دولة سامي بك الصلح نائب بيروت، رئيس الوزارة السابق. هذه المبادرة الحسنة تنم عن شعور محمود بمسؤوليات هامة وعن اقتناع رشيد بأن الاستقلال يحتاج إلى دعائم داخلية متينة بقدر ما هو يحتاج إلى عمل خارجي مستمر.

ان استقلال الأمم لا يتغذى بالألفاظ بل لا بد له من عناية دائمة وأعمال مميزة. فهو يضعف عندما تتقاعس الأمة عن التمسك به والدفاع عنه أي عندما يضطرب النظام و تعم الفوضى ويدب العجز في ميزانية الدولة ويفقد العدل من صدور الحكام.

إن تبدل قانون الانتخاب لا يأتي بالغاية التي ينشدها الأهلون. لأن فائدة هذا التبديل نسبية وتنحصر بالمرشحين للنيابة. فالانتخاب على أساس القضاء قد يخفف بعض الشيء من أعباء ومتاعب المرشحين وليس إلا.

إن انتخاب رئيس الدولة بطريقة التصويت الشعبي فلهذه الطريقة حسنات كما لها سيئات لا مجال لذكرها في هذا المقال القصير.

على كل وكيفما كانت طريقة انتخاب النائب أو انتقاء رئيس الدولة فان هذه الطريقة لا تؤمن للبلاد الاصلاحات الجوهرية التي هي امنية جميع اللبنانيين بلا استثناء.

فهدف اللبنانيينن الأعلى فيما يختص بالسياسة الداخلية هو ضبط النظام وتنفيذ القوانين والأنظمة وتأمين العدل والحريات في كافة أنحاء الجمهورية ولجميع المواطنين على السواء.

فلأجل الوصول إلى هذه الغاية السامية يقتضي تعديل نظام الحكم بحيث تصبح كامل سلطات الدولة متوازنة تجاه بعضها البعض. ويجب أن تكون كل منها مهيمنة على صلاحياتها، حرة فيها، حريصة عليها، قائمة بواجباتها محترمة صلاحيات السلطات الأخرى  وواققة بعضها البعض بالمرصاد ضد ايقاف كل منها على حدها عندما تحاول احداهن أن تتجاوز هذه الحد أو تتعدى على حدود الأخرى.

أما في لبنان لسوء الحظ فان السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية مختلطة ببعضها اختلاطا يجعل نظام الحكم بحالة فوضى مؤسفة. فالسلطة التشريعية هي شخصية معنوية غير مسؤولة تسيطر على السلطتين التنفيذية والقضائية. وهذا الشيء يخالف روح الحكم الديموقراطي الصحيح. لأن سيطرة سلطة وحيدة على باقي سلطات الدولة يجعل منها سلطة دكتاتورية اذ لا فريق يذكر بين دكتاتورية الفرد ودكتاتورية مجلس مؤلف من عدة أفراد.

فالاصلاح المنشود يجب أن يتناول هذه الناحية الخاصة من النظم الأساسية. إن صلاحيات السلطات يجب أن تكون موزعة على مختلف هيئاتها حفظا وحصرا على النظام وعلى حرية أفراد الأمة. ويجب بالنتيجة وبالأخص أن تكون هناك سلطة تنفيذية قوية متينة ثابتة في مراكزها بقوة الدستور وحده وليس بطريقة ارضاء اكثرية نيابية على ظهر المصلحة العامة.

ان القول بأن السلطة التنفيذية الثابتة تصبح ديكتاتورية هو مغالطة ومن باب اللعب على الألفاظ.

الحكم النيابي انواع منها ما يجعل الحكومة مسؤولة لدى البرلمان في كل وقت أو أمور معينة ومنها ما يجعلها مسؤولة لدى رئيس الدولة وحده كما هو الحال في الولايات المتحدة دون أن يكون هذا الأخير نظاما دكتاتوريا.

فالفرق بين النظام الدكتاتوري والنيابي هو أن الأول يحتكر وحده كل سلطات الدولة فهو المشترع والمنفذ بآن واحد بخلاف النظام النيابي حيث الصلاحيات موزعة توزيعا صحيحا على مختلف السلطات. فالسلطة التشريعية تسن القوانين والسلطة التنفيذية تطبقها. ومتى كانت هذه الأخيرة امينة على مراكزها فتصبح أشد حزما وعزما للقيام بواجباتها الحكومية وهذا ما تنشده الأمة اللبنانية.

ويجب أن لا ننسى أن للبرلمان طرق مختلفة لكبح جماح السلطة التنفيذية عن طريق إنزال ممثليها عن كرسي الحكم ولرئيس الدولة أيضا حقه الدستوري بإقالة الحكومة التي تسيء ممارسة الحكم. وأخيرا أن للافراد المتضررين ان يقوموا اعوجاج مقرراتها الادارية بواسطة مجلس شورى ذو صلاحية كافية بهذا الشأن.

إن الشرائع الأساسية في الدول حرصا منها على سير السلطات سيرا حسنا قد أحتاطت للأمر بأن أوجدت على جوانب هذه السلطات مجالس أو مؤسسات تؤمن سير الأمور بصورة منتظمة. ففيما يختص بالسلطة التنفيذية قد أوجدت تلك الشرائع منتظمتين ضروريتين الأولى مجلس شورى لضبط وانتظام سير السلطة التنفيذية فيما يختس بالادارة. والثانية مجلس محاسبات لضبط وتدقيق النفقات فيما يختص بميزانية الدولة.

إن مجلس الشورى المقصود هو غير المؤسسة الموجودة عندنا بهذا الأسم. فمجلس الشورى اللبناني ليس هو سوى محكمة إدارية سلطة للنظر في بعض النزاعات المتكونة مع الحكومة. أما باقي الصلاحيات كتحضير القوانين وإبداء الرأي في المسائل الإدارية الهامة فمجلس الشورى الحاضر محروم منها.

أما مجلس المحاسبات فغير موجود بتاتا. وإننا نشكر دولة رئيس الحكومة الحاضرة لتصريحه عن عزمه على انشاء هذه المؤسسة الضرورية.

إن يعني النظم الأساسية قد أوجدت عدا ذلك مجالس أو محاكم عليا للنظر في المخالفات التي ترتكبها السلطات العامة نحو الدستور واحكامه.

وفهما يختص بالسلطة التشريعية ومنعها من تجاوز صلاحياتها الخاصة فان الشرائع الأساسية تنصح بايجاد مجلسين تشريعيين: مجلس النواب ومجلس شيوخ. ليكون كل منها رقيب على الآخر.

هذه اصلاحات جوهرية رأينا من الواجب أن نلفت إليها انظار المسؤولين بمناسبة ما يشاع عن فكرة أدخال بعض التعديلات على احكام الدستور اللبناني.

ان القول بأن هذه الاصلاحات تزيد بنفقات الدولة فهو قول لا يجوز الالتفات إليه. لأن البلاد لا تبخل بشيء عندما يراد تعزيز استقلالها وتأمين النظام والعدل والحرية لأفرادها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *