حديث مع جواد بولس:

التاريخ في رأيي علم وله منفعة طبيعية المصالح والمزاحمات هي اساس انقسام الشعوب

وراء كل ثورة او كل انقسام فكرة فلسفية. وما اكثر الثورات والانقسامات في هذه الايام اذ ان وطأة الايديولوجيات تشتد يوما بعد يوم وتلقى رواجا عظيما ويتشبع لها الناس ويفسرون على اساسها مشكلاتهم وخاصة مشكلتهم الكبرى التي يسمونها قومية فيجعلون قوامها الفلسفة ويدافعون عنها ويدحضون ما يناقضها مستندين الى ما اكتسبوه من عقائد. لكن الاستاذ جواد بولس ينفي ان تؤلف مثل هذه الاشياء ما يسمونه بالرابطة القومية. ولإيضاح هذه النقطة وللإطلاع على تاريخ الشرق ومدنياته فإن مجالس الجامعات في فنزويلا اكاديمية التاريخ في كاركاس دعت الاستاذ بولس ليلقي سلسلة من المحاضرات على طلابها. وكان الموعد المقرر ان يغادر فيه الاستاذ بولس لبنان هو 20 آذار 967. إلا ان هذا التاريخ قد ارجئ بسبب الخلاف الناشب بين الحكومة والطلاب وهو خلاف متأزم اضطر الدولة ان تقفل الجامعات وتريح نفسها من التكتلات والاضطرابات .. وبانتظار عودة الحالة الى طبيعتها وهدوئها في الجمهورية الفنزويلية فإن الأستاذ جواد بولس يؤخر سفره ، ونغتنم نحن الفرصة لنعقد معه المقابلة المثالية فنفيد منها في الاطلاع على نهجه ونحظى بتفسير للأوضاع القائمة عندنا.

هل للداعين فكرة واضحة عن ارائكم ومؤلفاتكم ؟

– ان إطلاع مجالس الجامعات على مؤلفي ليس بحديث فقد سبق ان نشر احد كبار المؤرخين في فنزويلا في الصحيفة اليومية “ايلنا سيونال” مقالا عرض فيه للمواضيع التي تشكل الاساس العلمي لمؤلفي ولم اعلم بالأمر حتى وردني هذا العرض مترجما الى الفرنسية مع الفلسفة الاصلية للصحيفة فوجدت لدى اطلاعي على ذلك المقال ان ما اعتمدته كأساس علمي وسقته من تحاليل عبر المجلدات الخمس قد برزت له معالم في مقال ذلك العلامة. وقد تبين لي ايضا ان جل ما استرعى انتباه مجالس الجامعات في مؤلفي نقطة اساسية ركزت عليها ولم يكن هذا التركيز قائما على مجرد المعقولية انما كان وقيد تحليل واستنتاج الحالات المشابهة وبالتالي تقرير الحقيقة العلمية استنادا اليها. هذه النقطة الأساسية هي ان يكون العامل الرئيسي في قيام القوميات عنصرين: اقليم جغرافي واحد، وإرادة الشعب في ان تعيش مجتمعة في هذا الإقليم. وخارجا عن هذين العنصرين لا يمكن تحقيق القومية. فالعقائد بالرغم من فوراتها وانتشارها والاقبال عليها بملء الجوارح ليست في الواقع الا عقائد لانها تقصر عن تأليف الرابطة القومية بنفسها وما تقوله عن العقائد تقوله عن الدين واللغة وما شابه من امور.

ولنا من الأحداث الحاضرة اكبر دليل على ان العقيدة دون وجود الارض الواحدة المتابعة للبيئة الجغرافية الواحدة ودون الارادة التي ترغب في العيش على تلك الارض المعينة تبقى عقيدة في اذهان اصحابها. وما علاقة روسيا بالصين إلا المثل الحي لما نأخذ به. والرابطة القومية التي تنشئها تنفصم بإنهزام القوة التي أنشأتها وما من قوة مفتعلة الا ستتداعى يوما .

  • موسوعة تاريخية

* عمدتم الى اختصار المجلدات الخمسة في مؤلف واحد فما هي الطريقة المتبعة فيه وما هي الفائدة التي سيجنيها القراء ؟

– ان المؤلف الذي وضعته والمقسم الى خمسة مجلدات انما هو موسوعة تبحث في تاريخ ومدنيات شعوب الشرق الادنى منذ الاصول حتى اليوم وقد كتبته بالفرنسية لسببين اولهما ان جل ما اورده القدامى عن الشرق كتب بغير العربية وثانيهما ان اللغة العربية تفتقر الى التعابير والاصطلاحات التي يحتاج اليها المؤرخ. وهذه الموسوعة بالرغم من الوضوح الذي اعتمدته يعسر على اي كان الرجوع اليها لأنني لم اترك شيئا يهم الوضوع الا اوسعته بحثا وتفصيلا . لذلك وجدت من الضروري ان اختصر تلك الاجزاء في مؤلف واحد هو بين يدي الان . والطريقة التي اتبعتها فيه طريقة جد طريفة فقد اخذت كل بلد من بلدان الشرق الادنى بالاستقلال عن غيره وبدأته بمقدمة قصيرة تعتصر الفكر الرئيسية التي يجب ان تعلق في ذهننا عن ذلك البلد. وقمت بالتحدث عن الحالات الثابتة في كل بلد مع الاحداث التي تتكرر دوريا فيه والاسباب التي اوجبت تكرار تلك الاحداث دون اي تطويل . هذه هي طريقي من حيث الناحية الشكلية، اما الشيء الاهم في الطريقة التي اتبعتها، هي ان التاريخ عندي هو علم ، فسرد الوقائع ان توقف على السرد كان من باب الادب وان تعداه الى علم الاجتماع والفلسفة ظل التاريخ ذا الطابع الادبي الفلسفي اما اليوم فكل هذه تتضافر لتؤلف التاريخ – العلم. وحين نقول علم نعني ان التاريخ له سنن طبيعية تعطي نتائج حتمية. وبواسطة هذه السنن الطبيعية ذات النتائج الحتمية نتمكن من فهم الماضي فهما علميا صحيحا ومن تفسير الاوضاع الحاضرة تفسيرا لا يقبل الشك ومن تسليط الاضواء على المستقبل وتصوره في خطوطه الكبرى . وللكتاب الجديد ميزة اخرى هو انه في متناول الجميع موجز على وضوح وهو اشبه بفيلم سينمائي يعطيك في ساعة اهم ما يجب ان تعرفه وما اكثر المفتقرين الى التعرف على تاريخ وحضارة بلادهم .

  • اسباب التجاذب

* من جملة ما قلتم ان التاريخ يؤهلنا لتفسير الاحداث الحاضرة . ولبنان كما تعلمون يتجاذبه تياران احدهما شرقي والآخر غربي واحيانا مصري ولا مصري فما بواعث هذا الإنجذاب ؟ وما هي جذوره التاريخية ؟

– كل بلد حر هو مسرح للتنافس والانشقاق. فريق سائد واخر ينازعه على السيادة. ومن طبائع الامور ان يسعى كل فريق لان يحشد لصالحه ما امكنه من القوى فيحالف ويعادي ما يراه واجبا. ونظرة الى التاريخ نراه يعيد نفسه. فعلى اثر النزاعات التي كانت تنشب في القديم بين مصر من جهة والعراق او البلدان الآسيوية من جهة اخرى نرى ان المدن الفينيقية وهي دويلات شبه مستقلة عن بعضها كان فريق منها يحالف وادي النيل وفريق آخر يناصر اخصامه. وسبب هذه الظاهرة هي المزاحمة والحفاظ على المصالح التي كانت كل دويلة من الدويلات تحرص عليها الحرص الشديد. وعليه فإن كل انقسام يمكن ان ينشأ لن يكون في حقيقته الا نتيجة للمصالح والمزاحمات.

اميل زياده

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *