العالم المؤرخ جواد بولس يتحدث عن رحلته الاخيرة الى فنزويلا:

مغتربونا في العالم يستطيعون ان يشكلوا قوة دعائية هائلة

الاستاذ جواد بولس : العالم، المؤرخ ورجل الدولة، غني عن التعريف. يكفي انه مفكري لبنان القلائل الذين يسكتون على الانتاج العميق المثمر، ويقللون من الكلام، وقد نال كتابه التاريخي الضخم باللغة الفرنسية عن “اثر الجغرافيا في التاريخ الشرق الاوسط ” الذي صدر في اربع مجلدات خطوة وتقديرا كبيرين لدى جميع الاوساط الفكرية في العالم.

وقد قام اخيرا بجولة استغرقت ثلاثة اسابيع في فنزويلا و اميركا واوروبا ملبيا بذلك دعوة وجهتها اليه ثلاث جامعات فنزويلية حيث القى اربع محاضرات في الجامعة المركزية بكاراكاس _26 الف طالب _ ، والاكاديمية الوطنية للتاريخ. وجامعة كاربوبو في فالانسيا.عن ” علم التاريخ و تعاليمه ” و “الجغرافيا العامل الاساسي في التاريخ” وعن التراث اللبناني .

واقيمت له عدة حفلات تكريمية حضرها السفير اللبناني الاستاذ انطوان فرنسيس وكبار اعضاء الجالية اللبنانية.

وقد قدمه في محاضراته الدكتور رامون دياز سانتشيز و هو اكبر كاتب ومفكر ومؤلف في فنزويلا ومدير اكاديمية التاريخ السابق بكلمة مطولة جاء فيها : ” لقد عرفنا اللبنانيين على ثلاث موجات : موجة التجار، وموجة رجال الاعمال والصناعيين ، ومع الاستاذ جواد بولس موجة المثقفين ” .

و قد مر بطريق سفره وعودته على ليشبونة في اسبانية حيث مكث فيها ثلاثة ايام ، وعلى نيويورك حيث حضر جانبا من مناقشات الجمعية العامة للامم المتحدة اثناء بحثها للعدوان الاسرائيلي الاخير. كما زار باريس واجتمع ببعض مفكريها وادبائها .

ويسر ” السياحة ” ان تقدم الاستاذ جواد بولس الى قرائها في هذا الحديث القيم الذي خصها به عن انطباعاته وآرائه خلال جولته الاخيرة بين ربوع مغتربينا في اميركا .

س_هل لكم ان تحدثونا عن اوضاع الجالية اللبنانية والجاليات العربية بصورة عامة في فنزويلا وعن تحسسهم لمشاكلنا الراهنة ؟

_ لقد كنت سعيدا بأن اتيحت لي الفرصة للتعرف على جاليتنا اللبنانية وباقي الجاليات العربية في فنزويلا . فاذا بي ألمس ان الجميع يعيشون كأفراد اسرة واحدة يسود بينهم التآلف والتآخي والتعاضد. فالجالية اللبنانية هناك مؤلفة من حوالي خمسة عشر الف نسمة وهي تضم معظم الاتجاهات والطوائف التي يتالف منها لبنان، واذا كانت احيانا تتجادل وتتجاذب على صعيد الشؤون الداخلية، الا انها كلها تجتمع على التمسك بلبنانيتها وعلى حنين العودة الى الوطن .. حتى ان اولاد المغتربين الذين ولدوا و نشأوا هناك ولا يعرفون لغتهم الام تراهم عند ذكر لبنان يبكون و يريدون ان يأتوا لزيارته، و قد يسرني ان الجيل الجديد من أبناء المغتربين كلهم يقبلون على العلم والثقافة.. بحيث أن هناك عددا كبيرا منهم من الاطباء والمحامين والعلماء. كما ان اكثرية الجالية اصابت قسطا كبيرا من النجاح و يحتل أفرادها مركزا مرموقا في دنيا الاعمال والتجارة .. واني اسوق مثلا على ذلك المغترب اللبناني العصامي السيد نصري ضو الذي يمتلك مصرفا كبيرا يعد من اقوى مصارف فنزويلا يدعي “بنك الكاريب” وقد اسسه السيد ضو منذ 15 سنة فاذا به اليوم يضم 29 فرعا في جميع انحاء البلاد ويبلغ رأسماله ما يعادل 45 مليون ليرة لبنانية. وهو من هذه الناحية لا يقل وزنا وقيمة عما وصل اليه بنك انترا خلال المدة نفسها وذلك قبل انهياره طبعا مع فارق اكيد هو ان “بنك الكاريب” ليس انترا وان نصري ضو ليس يوسف بيدس على الاطلاق.

ويعتبر السفير اللبناني في منزويلا السيد انطوان فرنسيس خير مثال للدبلوماسي الناجح الذي استطاع ان يؤلف قلوب ابناء الجالية اللبنانية و ان يكون خير رسول للبنان المتفتح على العالم، وهو يقوم في فنزويلا بالدور نفسه الذي يجب ان يقوم به لبنان بين البلدان العربية اذ يجتمع في منزله سفير مصر وسفير سوريا وسفير السعودية و يقوم السفير اللبناني بدور حمامة سلام بين الجميع .

كما ان للجالية اللبنانية هناك صحفها المحلية التي تعتبر صورة مصغرة عن صحفنا المحلية في لبنان بعيوبها وحسناتها .

_ماذا كان عليه موقف الجالية اللبنانية والعربية على العموم من الاحداث الاخيرة عندنا لا سيما وانها وقعت اثناء وجودكم هناك ؟

_ على الرغم من ان زيارتي كانت ذات طابع ثقافي بحكم اتصالي مع اساتذة الجامعات والطلاب في فنزويلا، الا ان اتصالاتي مع الجالية اللبنانية وحضوري المؤتمر الذي عقدته الجامعة اللبنانية في العالم جعلتني استنتج واقعين مختلفين: الاول بالنسبة للطلاب في فنزويلا فان الشرق الاوسط بعيد جدا وهو ليس موضع اهتمامهم المباشر. بينما الواقع الثاني هو ان وضع وردود الفعل لدى المغتربين يختلف عن ذلك تماما، فهم جميعهم متحمسون بعنف ضد اسرائيل .. ليس فقط بسبب تمسكهم بوطنهم الام، بل بالنظر الان اكثرهم من التجار ولان المنافسين الذين يجب عليهم ان يكافحوهم بقوة هم من اليهود .. ومن هنا نجد ان روح معاداة الصهيونية لدى المغتربين العرب هي ذات اساس متين .

أما خارج هذا النطاق فإن الرأي العام ان كان في فنزويلا او في الولايات المتحدة او غيرها متأثر بالدعايات الصهيونية القوية، وهو من هذه الناحية يعطف نوعا ما على اسرائيل. وبطبيعة الحال فإن مغتربينا يستطيعون ان يشكلوا قوة دعائية هائلة لا تقل وزنا عن الدعاية الصهيونية، ولكن لا بد من اجل ذلك انشاء الهيئة الرسمية التي تستطيع ان تزودهم بالتوجيهات الضرويرية .. وان تنظم تياراتهم وطاقاتهم لخدمة القضية. و في الوقت الحاضر فانهم لا يستطيعون سوى اتخاذ موقف سلبي مناهض، ولكن من المؤكد انه لا يمكن الاعتماد ابدا على بعض المبادرات الخاصة للقيام بعمل جبار يستطيع ان يدافع و ينشر الدعوة لتأييد القضية العربية .

_لقد تناولت المحاضرات التي القيتموها في فنزويلا علم التاريخ وتعاليمه، بمعنى الدروس التي يمكن ان نتعلمها لفهم المشاكل الحالية، فكيف يمكن للتاريخ حسب رأيكم ان يتنبأ و يفسر الوضع الراهن؟

_ان التاريخ لا يمكن ان يتيح المجال للتنبأ الا بالخطوط العريضة للاحداث، ولكنه يستطيع دائما ان يفسرها. وهو بنظري المدرسة الوحيدة للسياسة، والرجل السياسي الذي لا يقرأ التاريخ او يتعلم منه هو اشبه ما يكون بالطبيب الذي لم يتدرب عمليا في المستشفى قبل تخرجه.

وبالفعل من الخطأ الاعتقاد ان الاختراعات العلمية والتقنية قد بدلت مسلك الناس. اذ ليس هناك شيء يمكن ان يبدل الروح الانسانية . فالطبائع الاساسية التي تتكون وتتألف نتيجة عامل الوراثة والوضع الجغرافي للبشر وهما عنصران غير منفصلين فأن الاهواء البشرية تظل اذن هي نفسها وهي التي تتحكم بنشاط الناس و ليس ذكاؤهم. وعندما تهتاج الهواء والاندفاعات فان المصلحة تتحول الى الدرجة الثانية .

اما فيما يتعلق بالمشاكل الراهنة التي تواجهنا حاليا ، فقد واجهتنا من قبل مرات عديدة و لكن باشكال اخرى حسب معطيات كل زمان.

وهكذا منذ عصور ما قبل التاريخ كان الممر السوري الفلسطيني منطقة عبور بين مصر و افريقيا من ناحية ، والعراق و آسيا من ناحية اخرى.

.. بمعنى انه كان دوما منطقة جذابة لجميع الشعوب المتحركة ولجميع الغزاة . وقد اعتبرت مصر دوما هذا الممر ضروريا لمصالحها وامنها و نشاطها الاقتصادي … و من هنا يتأتى اهتمامها المستمر بكل ما يحدث في هذا الممر واستحالة قبولها بوحود اسرائيل لا سيما و انها أصبحت قوة عسكرية خطرة تهدد كل ما حولها وتطمح للتوسع بغية الاستيلاء على هذا الممر.

كما ان التاريخ يعلمنا ان وجود اسرئيل هو كوجود سرطان في جسم الامة العربية و ليس من السهل لفظه أو استئصاله بسرعة الا بعد معالجة طويلة الامد ، و هناك حكمة عربية معروفة “من طلب الشيء قبل اوانه عوقب بحرمانه”. فالصليبيون لم نستطع التخلص منهم الا بعد مضي حوالي قرنين من الزمن ، اي بعد ان ضعفوا وتفرقوا وتحولوا من غزاة تدفعهم عقيدة دينية معينة الى تجار ومستعمرين . و هكذا للتخلص من اسرائيل قد نحتاج الى جيل كامل من الزمن او اكثر ثم الى تحول الظروف الدولية لمصلحتنا.

_ما هي في رأيكم احسن الاسلحة التي تستطيع الدولة العربية ان تستخدمها للتخلص من اسرائيل؟

_هي الاسلحة التي اهملت حتى الآن والتي عرف العدو ان يجعل منها سر قوته. اعني بها : العلم والثقافة. وهكذا تماما ما ينبغي ان يكون السلاح الرئيسي للبلاد العربية وبصورة خاصة لبنان. لان الجهل ما زال في الحقيقة مخيما على 90 بالمئة من الشعوب العربية. وهذا الجهل هو وليد الهبوط الثقافي الذي بدأ في العالم العربي مع الغزاة السلجوقيين منذ القرن العاشر والحادي عشر، وقد بلغ من انحطاطنا الثقافي طوال تلك القرون اننا لم نعد نحفظ من تراثنا الثقافي سوى قصص الزير وعنتر والف ليلة وليلة. وما زلنا نعتبر حتى اليوم عنترة مثلنا البطولي مع انه شخصية خرافية لا وجود لها في التاريخ.. وما زلنا مع الاسف نقيس بطولاتنا على طريقة عنترة.

_ما هي في رأيكم الوسائل المؤدية الى توثيق عرى التعاون و الترابط بين لبنان و البلدان التي يعيش فيها مغتربونا؟

_اهم هذه الوسائل هي التعاون الاقتصادي والثقافي، لا بل ان الصلات الثقافية تأتي في الدرجة الاولى لاكتساب صداقة شعب من الشعوب. و قد اقترح علي حينما كنت في فنزويلا قيام اكادمية للتاريخ في لبنان تكون مراسلة لاكاديمية فنزويلا وهذا العمل يجب ان تقوم به هيئة لبنانية ثقافية لبنانية فنزويلية، على ان تنشأ عندنا منظمات من هذا النوع شعارها التعاون الثقافي بين لبنان وكل بلد تظلل سماؤه ابنائنا في المهجر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *