المؤرّخ جواد بولس : كتابة الجديد و ” الثوابت “

“سنن التاريخ كسنن الطبيعة تفعل فعلها “

قدّم المؤرّخ اللبناني جواد بولس كتابه الجديد ” التحولات الكبيرة في تاريخ الشرق الادنى منذ الاسلام ” ( دار عواد للطباعة و النشر ) في مؤتمر صحافي عقده قبل ظهر امس في دير مار جرجس – عوكر .

و الكتاب من الابحاث التاريخية التي درس المؤرّخ بولس فيها الشعوب و الحضارات و المجتمعات في الشرق الادنى منذ الجذور الاولى حتى الزمن الاخير ، في وجهاتها و تحولاتها .

افتتح المؤتمر الامين العام ل” الجبهة اللبنانية ” السيد ادوار حنين ، في حضور الآباتي بولس نعمان و الدكتور شارل مالك و الوزير السابق جورج سكاف و النائب السابق حبيب مطران ، و جمع من الشخصيات الاجتماعية و الدينية و الثقافية .

” جواد بولس الذي دعاكم ، اليوم ، ليقدم الى اللبنانيين ، على يدكم ، كتابه الجديد في موضوع ” التحولات الكبيرة في تاريخ الشرق الادنى ، منذ الاسلام ” ولد مع القرن العشرين ” في السنة 1900، و هو يتمتع بصحة قد لا يتمتع بمثلها القرن العشرون بالذات .

جواد بولس ، من عائلة شمالية زغرتاوية من العائلات الخمس الكبيرة ، جده كان قائد جيوش يوسف بك كرم و هو كان قائداً ، و لا يزال ، لعشيرته ( آل المكاري ) .

مارس المحاماة ؛ فانتخب ، بالاجماع ، مرتين نقيباً للمحامين في الشمال ، و مارس السياسة ؛ فانتخب نائباً عن زغرتا ، و عين وزيراً للخارجية في حكومة الثلاثة : ايوب ثابت ، خالد شهاب ، و في السنة 1945 ، رأى خبراً له و للبنان ان يتخلى عن مهنة المحاماة و عن ممارسة السياسة العملية لينصرف ، بكليته ، الى درس التاريخ ، و الى الكتابة فيه .

و اذا بعد عشرات السنين يضع ، بالفرنسية ، موسوعة من خمسة أجزاء ، في موضوع : ” شعوب الشرق الادنى و حضاراته الذي استحق له شهرة دولية بين المؤرّخين العالميين ، ثم وضع بالعربية كتابه : ” لبنان و البلدان المجاورة ” الى ان وضع الكتاب الذي نحن في صدده ، الآن ” .

جواد بولس نظر الى التاريخ ، على طريقة هيرودوس و ابن خلدون ، كعلم و كفلسفة . الامر الذي قاد خطاه الى استخلاص الثوابت التاريخية منارات منقذة في مسيرة الامم و الشعوب ، و التي بدون اضوائها تظل الحوادث الجارية منقطعة الصلة بين ما سبب حدوثها ، و بين ما ستسبب بدورها ، من حوادث .

في كل ما قرأت في المواضيع التاريخية ، القديم منها و الحديث ، كتاب واحد يمكن ان يتميز عن كل ما كتب في التاريخ كفلسفة و علم و هو ” ثوابت التاريخ ” لرينيه غروسيه . و هناك موسوعتان : واحدة للويس مادلان في الثورة الفرنسية ؛ و أخرى في موضوع الامبراطورية النابوليونية الفرنسية لجاك بانفيل ، تتساويان ، من حيث القيمة التاريخية ، مع موسوعة جواد بولس اما الكتاب الذي يطرح عليكم الآن فتميز ، في الشرق ، عن كل ما يبقه في موضوعه . و قد يكون متميزاً ، في العالم، عن كل ما صدر في موضوع الشرق الادنى . و يوم تقرأونه تحكمون ” .

بولس

ثم تحدث المؤرّخ جواد بولس عن كتابه متوقفاً على سيرته الذاتية و على مراحله الثقافية و السياسية و الاجتماعية و على ظروف الكتاب و على الدوافع . مرحّبا معرفا بالذات ، ثم ” ( . . . ) ان الدافع: العميق الذي حملني على وضع هذا الكتاب و اصداره هو الذي حملني ، في الستينات ، على كتابة مؤلّفي ، باللغة الفرنسية ذي الخمسة الاجزاء ، و عنوانه : ”
Les peuples et les Civilisations de proche – orient
” شعوب الشرق الادنى و حضاراتها ” ، هذا المؤلّف الذي لقي رواجاً واسعاً في البلدان الأوروبية و الاميركية ، و الذي قدر اهميته عدد كبير من المؤرّخين و اساتذة الجامعات الاجنبية و اخصّهم الجنرال ديغول و المؤرّخ و الفيلسوف البريطاني ارنولد توينبي ، الذي كتب مقدمته ، و هي المقدمة الوحيدة من توينبي ، الذي كتب مقدمته ، و هي المقدمة الوحيدة من توينبي ، لغير مؤلّفاته الشخصية. و اذكر هنا بعض ما قاله توينبي عن مؤلفي ، في مقدمته : ” . . . كان الفضل في معظم التآليف الحديثة عن تاريخ آسيا العربية ، لمؤلفين اوروبيين او اميركيين ، الى ان صدر آخر الامر تاريخ دبجته براعة علامة موطنه لبنان ، باب هذه المنطقة التي هي في الصميم من العالم المتحضر . . . كما ان السيد بولس كشف عن وجود عوامل ثابتة ، جغرافية ، كانت ام نفسية ، تتوثّق فيما بينها من خلال جميع مظاهر التغييرات الطافية على صفحة الحياة ” .

اطلق على المؤلف لقب مؤرّخ ، و هو ضنين باطلاق هذا اللقب ، و ختم مقدمته بالعبارة : ” ان القرّاء العرب و القرّاء الغربيين يتعلمون كثيراً من مطالعة هذا الكتاب ” ( ارنولد توينبي ، 13 أيار السنة 1957 ) .

و في بعض ما قاله ديغول عن مؤلفي في رسالة : ” و اني لقادر كون هذا المؤلّف ، الذي سيلقى رواجاً كبيراً ، كتب باللغة الفرنسية ” ( شارل ديغول ، باريس 18 تشرين الاول 1961 ) .

و كتابي باللغة العربية و عنوانه ” لبنان و البلدان المجاورة ” ، و الذي اعيد طبعه السنة 1973 ، تاريخ مقارن للبنان و سورية و فلسطين ، منذ الاصول حتى اليوم ” .

و تابع بولس : ” ينبغي الحديث عن كتابي الجديد ، و عنوانه ” التحولات الكبيرة في تاريخ الشرق الادنى منذ الاسلام ” و الذ تولت اصداره ” دار عون للطباعة و النشر في بيروت ” . فان الغاية الاولى من كتبه و اصداره في هذا الوقت ، و باللغة العربية ، هي اطلاع القرّاء ، و خصوصاً في البلدان العربية ، على الاسباب العميقة و الحقيقة التي جعلت من بلدانهم و سائر بلدان الشرق الادنى ، منذ استقلالاتها ، مناطق لم تعرف الاستقرار و لا الامن و لا الراحة . فكما ان اطباء الجسم هم اطباء الافراد ، و رجال الدين هم اطباء النفوس ، فان المؤرّخين هم اطباء المجتمعات البشرية على الصعيد السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي و النفسي .

قال الشاعر : ” و من وعى التاريخ في صدره / اضاف اعماراً الى عمره ” .

ان معظم البلدان و الدول الراقية و المتطورة ، في العالم الحاضر ، يسوسّها حكام و مسؤولون يحسنون تاريخها و تاريخ البلدان المجاورة لها ، او يعاونهم اختصاصيون بهذه المواضيع .

و لسوء الحظ ، ان معظم المسؤولين عن مقدرات البلدان العربية ، و فيها لبنان ، يجهلون تاريخ بلدانهم الحقيقي . فاكثرهم يخلط بين تاريخ عرب الجزيرة العربية ، الذي برز لامعاً في القرن السابع بعد الميلاد ، هذا التاريخ الذي هو من امجد التواريخ في الانسانية ، و بين تاريخ بلدانهم الخاص ، الذي هو اقل من عادي منذ الاسلام ، جاهلين او متجاهلين ان بلدانهم فتحت مع عرب الجزيرة في القرن السابع الميلادي ، فحرّروها من نير الاجنبي ( الغربي و الفارسي ) الذي كان مسيطراً عليها منذ بضعة قرون . اما هم ، فاكتفوا مجداً بأن اعتنقوا الاسلام تدريجا فيما بعد ، و حلت اللغة العربية ، تدريجا كذلك ، محل لغاتهم الاصلية . و الخلاصة ان مجد العرب التاريخي هو لعرب الجزيرة العربية ، دون سواهم من المسلمين و المتعربين . فتاريخ البلدان العربية خارج الجزيرة هو تاريخ الشعوب الاسيوية ، الاسلامية و غير الغربية ، التي سيطرت على هذه البلدان بعد سقوط الدولة العربية الاموية 750 كالفرس و الاتراك و غيرهم من المسلمين الآسيويين .

اثبت العلم الحديث ” ان التاريخ هو سياسة الماضي ، و سياسة الحاضر هي تاريخ المستقبل ” و ” ان السياسة هي بنت التاريخ و التاريخ هو ابن الجغرافيا ، و الجغرافيا لا تتغير نسبياً . يزعم البعض ، و منهم مفكرون و علماء ، ان التاريخ لا مفهوم له و لا موضوع فيه ، و انه لا يصلح لان يكون مرشداً للشعوب في مشكلاتها الداخلية و الخارجية . قد يكون هذا القول صحيحاً في اطار التاريخ التقليدي ، الذي يكتفي بجمع الوقائع و الاحداث الماضية و سردها و وصفها و تحليلها : اما في اطار التاريخ كعلم و فلسفة ، فالامر يختلف اذ المؤرّخ يبحث عندئذ عن السنن و الاسباب الثوابت التاريخية التي توجه الاحداث و تسيّر مجراها ” .

” ان التاريخ ، في منظار العلم ، هو البحث عن الاسباب التي ، من اقدم العصور و خلال الازمات العديدة ، انتجت الحضارة و دفعتها قدماً الى أمام ” . ( ه . بير ) ( . . . )

و الجغرافيا هي عامل جوهري ، لتأثيرها العميق في الافراد و الجماعات ، جسمياً و نفسياً .

زعم البعض ان نظريات جواد بولس في علم التاريخ هي نظريات غربية جديدة ، لا مفعول لها في بلدان الشرق و في تطورات شعوبها .

ان هذا القول مرتجل و غير مسؤول . فسنن التاريخ ، كسنن الطبيعة تفعل فعلها في كل مكان و زمان ، رضيَ الناس او ابوا .

ان التاريخ كعلم و فلسفة ليس بجديد .فأوّل من قال بسنن التاريخ علماء و فلاسفة أغارقة قدامى ، مثل هيرودوتس و توسيدتيس و كزينافون ، في القرن الخامس قبل الميلاد . ثم خلفهم ، بعد زمن طويل ، اي في القرن الرابع عشر بعد الميلاد ، عالم مسلم عربي من تونس ، هو ابن خلدون . فهو اوّل من اعتبر التاريخ علماً و فلسفة بعد الاغارقة ، و أوّل من قال بتأثير العوامل الجغرافية على البشر و تصرّفاتهم ، أفراداً و جماعات . و ألّف في هذا الموضوع كتابه المعروف ” المقدمة ” . و لم يظهر بعد ابن خلدون علماء في هذا الميدان قبل ماكيافيللي ، في ايطاليا ، في القرن الخامس عشر ، و بوسييه و مونتسكيو ، في فرنسا ، و فيكو ، في ايطاليا ، في القرن السابع عشر ، و غيرهم في ازمنة لاحقة .

اما انتشار التاريخ كعلم ، فبدأ في القرن التاسع عشر على اثر تقدم الثورة التقنية و انتشارها في اوروبا .

و في القرن العشرين ، و مع ازدياد التقدم التقني و التكنولوجي ، ازداد الاهتمام التاريخ العلمي و الفلسفي ، كما بغره من العلوم الانسانية . و في العالم العربي الحديث ، مفكرون و ادباء كبار يقرّون هذه الحقائق التاريخية العلمية ( . . . ) ” . و ذكر بولس طه حسين و محمد حسنين هيكل و ” كنت قرأت له حديثاً اجري معه في تونس في اطار ندوة ” جامعة الدول العربية ” و نقلته جريدة ” النهار ” في عددها الرابع من أيار 1982 .

قال هيكل بالحرف : ” علينا ان نوازن بين الحقائق السياسية ، التي قد نتفق عليها او لا نتفق ، و الحقائق التاريخية غير القابلة للاجتهاد . الثوابت في التاريخ غير قابلة للاجتهاد . . . ” .

ثم قال : ” ما تملكه الحكومات ، يمكن التصرّف فيه بقرار ، اما ما تملكه الشعوب فيخضع لثوابت الجغرافيا و التاريخ و الحضارة ” .

فهل يكون سبب إقصاء الاستاذ هيكل عن مسرح السياسة في مصر معرفته بثوابت التاريخ و السياسة؟ ” (…).

و في الختام دخل المؤرّخ بولس في حوار مع عدد من الصحافيين و المثقّفين ، و ردّ على الاسئلة .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *