الى جواد بولس :

“اشكر لكم تاريخ لبنان “

“البخيل بخيل والأناني أناني ولبنان يبقى لبنان “
مقابلة اجراها : ادوار الزغبي

هل بين المؤرخين من كتب تاريخ لبنان ؟ بعضهم سرده وقائع واحداثا مقتطفة، وبعضهم رواه كان ما كان في قديم الزمان، وبعضهم تخيله اساطير فينيقية وبطولات مارونية، وبعضهم ربطع بغير شعب وغير بلاد وغير تاريخ .

تاريخ لبنان ” طارت به الكتب “، حسب اهواء المؤرخين القومية والثقافية او ربما حسب اهواء الشعراء، انما لم تقل : ” ذاك لبنان ” . فلبنان، في اذهان جبل الاستقلال، ” صنيعة فرنسية ” لا هوية شخصية له .

اهو، حقا، دون هوية ؟ اليست لو سمات فارقة ؟ المؤرخ جواد بولس كتب ” تاريخ لبنان ” ( عن ” دار للنشر ” , 12 ليرة ) وعلى غلافه هذه الكلمات : ” ان لبنان في ايامنا، كتكوين سياسي وقومي، انما هو وليد الجغرافية والتاريخ . فهو الحصيلة الحالية لتطور الشعوب التي عاشت في هذه البلاد منذ زمن ما قبل التاريخ . وارضه التي تؤلف تفردا جغرافيا طبيعيا عملت، دون انقطاع، خلال ألوف السنين الماضية، لجعله كيانا جماعيا، واقليميا متميزا، مؤلفا من مجتمع قومي وطني متجانس الى حد ما، بحيث تتحقق وحدته السياسية، غالبا، بارادة الجماعة الطائفية او الاجتماعية المختلفة التي تؤلفه، بصرف النظر عن الجنس او الدين ” .

فهل اراد ان يعطيه هويته الحقيقية المميزة ؟ انه، لا شك، حاول ذلك في اعادة كتابة تاريخ لبنان . وبعض الانطباعات الاولى من قراء الكتاب جاءت تؤكد ” الجديد ” فيه .

” قرأت مواطنك جواد بولس “

الرئيس سليمان فرنجية قال للمؤرخ جواد بولس : ” ينبغي ان يختصر هذا الكتاب ويوزع على المدارس لما فيه من حقائق، ولما يوفره من افادة للطلاب ” . والعميد ريمون اده اخبره ان وزيرا ديفوليا سابقا هو اليوم الرئيس الاعلى للمصالح البترولية في فرنسا قال له : ” قرات كتابا مؤثرا جدا، ومفيدا جدا، لمواطنك جواد بولس ” . واحد المستشارين في السفارة السوفياتية في بيروت اخبره ان كتابه ” تاريخ لبنان ” وكتبه الاخرى توزع في الاتحاد السوفياتي على الدبيلوماسيين المعتمدين في الشرق الادنى بغية تسهيل مهماتهم السياسية . وصاحب ” مصير ” و ” جعيتا ” خليل رامز سركيس بعث اليه، منذ اسبوع، بالرسالة الاتية :

” اشكر لكم ” تاريخ لبنان “. انني تسلمت نسخة منه لايام قليلة مضت فاتاح لي ان اتقرى طريقتكم في التاريخ مرة اخرى . انها طريقة علمية تصل الاسباب بالنتائج على هدي من السنين الثوابت التي لولاها لتعذر الوصول الى الحقيقة، حقيقة الاحداث الغريبة والبعيدة، والى ما يتفاعل في جوهر الاحداث من عوامل احسب ان الجغرافية من اعمقها تاثير في النمو العام والنمو الخاص على السواء. ولا ريب ان فهمنا لبنان وفقا للطريقة التي يؤرخونه بها يشارك في انقاذنا حاضره من خلال ماضيه، وفي انقاذنا مستقبله من خلال حاضره، مشاركة واعية مسؤولة. لذلك كله أجد مؤلفكم يتخطى زاهر موضوعه إلى بطن قصده: لبنان أمة ووطناً في جدلية المعارك. وما يسعني وأنا أرحب بأول كتاب لكم عربي اللسان إلا أن اثني على الترجمة وعلى المراجعة إذ كدت لا أشعر بأن الناس فرنسي في الأصل. وما ذلك يصنع بسير، وتفضلوا بقبول تحيتي واحترامي”.

وجواد بولس ينتظر رأياً من كمال جيبلاط “المثقف البارز بين السياسيين والذي هو لبناني مثلي” ومن سائر المواطنين، وبأمل أن تحذو الجامعة اللبنانية والجامعات العربية حذو الجامعات الغربية في تدريس كتابه.

١٩٠٠ في زغرتا

من هو جواد بولس مؤلف ” تاريخ لبنان “؟ ولد في العام ١٩٠٠ في زغرتا، وتلقى علومه الطهناوي في مدرسة عينطورة، والحقوق في الكلية الفرنسية في بيروت ومارس المحاماة في طرابلس، وانتخب مرتين، في ١٩٣٣ و ١٩٣٧ نقيباً للمحامين. وفي العام ١٩٣٨ إنتخب نائباً في المجلس النيابي. وفي ١٩٤٣ عين وزيراً ممثلاً الموارنة في حكومة “العهد الثلاثي” المؤلفة منه ومن أيوب تابت وخالد شهاب و”يومها كانت الحكومة هي السلطة التنفيذية والتشريعية في آن”. لكنه لم يتابع السياسة (أصدقاء حاولوا أن يرشحه لمنصب رئيس الجمهورية في ١٩٧٠)، ولم يفكر مرة في الترشيح للمقعد النيابي عن قضاء زغرتا. لماذا؟ قال “أحببت أن اتفهم المشاكل السياسية والثقافية والإجتماعية والإقتصادية في لبنان والشرق الأدنى. ورأيت أنا ليس في الإمكان الدخول إلى أعماقها وإيجاد الحلول لها إلا على ضوء الأحداث الماضية في هذه المنطقة. ولذا انصرفت إلى دراسة التاريخ، فالتاريخ سياسة الماضي. والحاضر، والمستقبل – وهو، كما قيل في حق، مدرسة السياسة الصحيحة. انصرفت إلى دراسته درساً عميقاً، ولم اقتصر على لبنان وحسب، بل شملت دراستي بلدان الشرق الأدنى جمعاء لأن تواريخ البلدان متشابكة. ثم كي يكون للتاريخ مفهوم ومعنى ينبغي أن يدرس في صورة علمية لأن التاريخ التقليدي، أي صارد الوقائع ووصف البلدان، لا فائدة منه للحاضر والمستقبل. لا قيمة له. فالبلدان، كالأفراد، حياتها هي تاريخها”.

نعم، هو القدر، هو علم

جواد بولس هل يؤمن أن التاريخ يعيد نفسه، وله التاريخ قدر الأجيال؟ أليس في إستطاعة الشعوب أن تقفز خارج إطار التاريخ المحكيم، وترفض التقاليد؟ يجيب: “نعم، التاريخ هو القدر، والرفض ليس في امكانه أن يغير جوهر الشعوب. ففي كل بلاد حالات دائما، أو دورية. أو إذا شئت في كل بلاد، ولكل شعب، سنن أو ثوابت تاريخية Constantes historiques

لا، التاريخ ليس مرحلة ماضية، وليس أحداثاً وقعت في وقت معين يسترسل الناس في شرح اسبابها. فلسفة التاريخ التي انتشرت في القرنين السابع عشر والثامن عشر وأوائل التاسع عشر ماتت. ظهر هزالها. فالتاريخ علم اى فلسفة. جريمة في حق الحضارة البشرية أن يفلسف التاريخ. خطأ في حق الأجيال أن يقرأوا تاريخ بلادهم مفلسفاً. علم التاريخ المعارض للثوابت التاريخية هو المطلوب من كل مؤرخ بنهج الطريقة العلمية. وهو بدأ قبل حوالي مئة سنة مع بعض خفر. أول من فكر فيه وفي تأثير العوامل الطبيعية على تصرفات الإنسان هم اليونان القدماء. انما المؤسس الحقيقي له هو إبن خلدون. اقرأ مقدمته “يخرب بيتو شو هالدماغ الكبير مع إنه كان في عصر الظلمات”. وعلم التاريخ جارى العلوم الأخرى كعلم الحياة، وعلم النفس، وعلم الإجتماع، وعلم الأجناس وسواها من العلوم الإنسانية والاختبارية. مونتسكيو فلسف التاريخ فأخطأ. كارل ماكس “لو كان بهالدماغ اللي الو درس التاريخ ما كان عمل هيك. ضاع بالفلسفة”. وفلسفة كبار تحوك إلى الأدب الذي هو احد الفنون الجميلة. عجزوا أمام ابتكارات العلوم الإختبارية والعلوم الإنسانية والتقنية فتاهوا، وغاصوا في الضباب. فعلم التاريخ ضروري لكل ساسة العالم. عليهم أن يدرسوا التاريخ، يا ابني، ويتفهموا ثوابته وإلا وقعت كوارث عالمية. كليمنصو كان يقول: “الحرب شيء مهم لا يجوز تسليمها للعسكريين”.

المؤرخ جواد بولس يصر على أن التاريخ علم مثل العلوم، لا فلسفة ولا شعر، وإن دراسته تحل مشاكل الحاضر والمستقبل، ويقول أن في كتابه “تاريخ لبنان” فصلين عن الإقطاعية والطائفية يتمنى على أي لبناني أن يقرأهما “أنا كتبت تاريخ لبنان بطريقة علمية” ويقول بحث في كتابه عن الثوابت التاريخية اللبنانية: “فالثوابت التاريخية تحددها وتحتمها العناصر الجغرافية لكل إقليم. لذا، نرى بلدانا من أصل مشترك، ولغة وحدة، ودين واحد، تتميز بعضها عن البعض بالأطباع النفسية، وغالباً الأشكال الجسمية. لأن العوامل الجغرافية في كل إقليم تختلف عما هي في الإقليم الآخر، العراقي والمصري والتونسي والجزائري من أصل واحد ودين واحد ولهم لغة واحدة ولكن كل واحد منهم طبعه شكل من جراء إختلاف اقاليمهم الجغرافية. فهل يرى جواد بولس لبنان وحدة جغرافية مميزة ليست لها إمتدادات إلى فلسطين وسوريا؟ وهل اطباع اللبنانيين تختلف عن سواهم؟ وهل التاريخ اللبناني وليد جغرافية لبنان؟ وماذا يميز جغرافية لبنان، فيتميز هو ويتميز تاريخه؟

حلف بين الجبل والبحر

يجيب: “انني حددت لبنان بكلمة أو عبارة مختصرة، وهي أن لبنان يشكل حلفاً بين الجبل والبحر، فالجبل اللبناني، كما في بلدان العالم ساهم في تقوية فكرة الإستقلال والحرية الشخصية. والجبل يساعد السكان على الدفاع عن استقلالهم في صورة سهلة نسبياً، ويساعدهم على مقاومة إستبداد الحاكم الوطني. لذا إختلف اللبناني إبن الجبل عن غيره. ثم البحر يفتح موقع لبنان على ثلاث قارات: أوروبا وأفريقيا وآسيا، ولذا نرى اللبنانيين، منذ الألف الرابع قبل الميلاد، احترفوا مهنة البحارة وتبادل البضائع والأفكار مع جميع البلدان وكانوا أرباب التجارة والثقافة في آن. وهم، حالياً، كذلك لأن جبلهم وبحرهم خلقا لهم اطباعاً مميزة، وصنعا ما سميناه الثوابت التاريخية. لا. لا. لا. فلسطين وسوريا الشمالية، وإن هما في موقع لبنان ذاته، يختلفان عنه، فهم مفتوحتان على الصحراء. لا جبال وراءهما، وهم لم تقوما بتجارة بحرية، ويثبت هذا إن ما يسمونه تاريخ فينيقيا، وهو في الحقيقة تاريخ الشعب الكنعاني، كان ذا جغرافية محصورة في الأراضي التي تشكل اليوم لبنان من جنوب صور إلى النهر الكبير. فلسطين حققت مجداً في أيام ملكها، لكن صور سيطرت عليها وعليهم إقتصادياً. الفينيقيون كانوا يديرون كل أمر في مملكة داود وسليمان. وكانوا الدافعين الأساسيين للتاريخ وللسياسة في هذه المملكة. أعود إلى القول أن الثوابت أو الطبائع التي ميز بها الشعب اللبناني (حب التجارة، الهجرة، الحرية، تبادل الأفكار) فرضتها عليه جغرافية لبنان: نحره وجبله. الفينيقيون بنوا الأسطول البحري للأمويين الذين لم يكونوا يعرفون البحر بغية التخلص من سيطرة البيزنطيين عليه، فصار البحر أرض حرب، وما عاد أهالي الشطوط يستطيعون ركوب البحار، وتاخرت المدن الساحلية. ولجأ السكان إلى الجبال وانتقل نشاطهم من المجال البحري إلى المجال الزراعي. سكان لبنان، كل عمرهم، يحبون التجارة البحرية، والسوريون الزراعة والتجارة البرية. فالآرامين وصلوا إلى الصين، والسوريون وصلوا إلى الصين مستعملين “المرافئ” البرية. ولذا سوريا ولبنان متضامنان إقتصادياً. هي ممره البري، وهو ممرها البحري. ولبنان مرتبط بواجهتيه: البحر والجبل…”.

لا، لا، لا، لم

ألا يرى جواد بولس إن وسائل الإتصال الحديث تخطت “نظرية الجبل والبحر”، وغيرت في طباع الناس وسلوكهم، وحملتهم على الإتحادات القومية، أو في الأقل تخطي “الإقليمية”، فقد تتحد الدول العربية. وقد تتحد أوروبا، وقد… قد؟

يجيب: “لا، لا، لا، لم يتغير أمر. فالفرنسي، رغم التمدن في أوروبا لا يزال مثل الفولواز القديم، والألماني مثل الجرماني. فما يكتسبه الإنسان بعد الولادة لا يغير من طباعه الأساسية. فاللغة والدين واستعمال الإكتشافات الحديثة أمور يكسبها أثر الولادة ولا تغير حتى سلوكه. فالبخيل يبقى بخيلاً، والجبان يبقى جباناً، والأناني يبقى أنانياً، ومحب السيطرة يبقى محباً للسيطرة. فما يوجه السلم هو الطبع لا العلم ولا الذكاء “إذا كان الواحد شخصية قوية وتعلم يمكن يطلم منو شي ولكن البلا شخصية مهما تعلمه بيضل حمار”. وأوروبا، رغم أمنية الوحدة، هل توحدت؟ لا، من جراء خلاف الطبائع. وكذلك البلدان العربية. فالمصري والعراقي والجزائري تختلف طبائعهم بعضهم عن البعض.

والكلام الذي نسمعه “العرب أمة واحدة. العرب أسرة واحدة” هل دخل التنفيذ؟ لا. فالأمة تفترض، في معناها العصري، وحدة سياسية، أو توقاً إلى وحدة سياسية في بلدان يسيطر عليها أجنبي. ولو كانت هذه البلدان المستقلة تريد الوحدة السياسية حقاً لكانت حققتها. نعم ترغب هي أو تتمنى حدوث الوحدة، لكن الرغبة أو التمني شيء والإرادة الحازمة النابعة من الثوابت التاريخية شيء. فالبلدان العربية التي استقلت بعد إستعمار طويل لا تتنازل عن استقلالها في سهولة ولو لشقيق. ويوم أعلن العرب أنهم يريدون الوحدة شغلوا حالهم بحرب خفية في ما بينهم. الوحدة التي يمكنهم شد اواصرها في إخلاص إذا شاؤوا هي جامعة الدول العربية شرط ألا تكون السيطرة لدولة عربية كبرى”.

جواد بولس يقضي أوقاته متنقلاً بين الجبل (اهدن) والبحر (بيروت). ويدرس، ويؤلف، ويستقبل وزراء وسياسيين، ويعتني بزهور حديقة منزله “اوتيل بالاس في اهدن”. وفي الموسم المقبل، سيعطي دروساً تاريخية في جامعة الكسليك ووقع إتفاقاً مع الأب بولس نعمان.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *